Image Not Found

سور اللواتية.. معلم من معالم عُمان وتاريخها

فاطمة أنور اللواتي

يقال: “من لا تاريخ له لا مستقبل له”، فمستقبل الفرد هوامتداد لماضيه بكل ما فيه من أحداث وشخصيات. وتغييب ماضي المجتمعات والدول والأمم هو تغييب لحاضرهم ولمستقبلهم …

[embeddoc url=”http://www.alwatan.com/graphics/2013/09SEP/PDF/pdf08.9/ash4.pdf” download=”all”]

قال: “من لا تاريخ له لا مستقبل له”، فمستقبل الفرد هوامتداد لماضيه بكل ما فيه من أحداث وشخصيات. وتغييب ماضي المجتمعات والدول والأمم هو تغييب لحاضرهم ولمستقبلهم. ومع الأسف الشديد فإن العالم العربي أوالعوالم المتخلفة التي لا حاضر مشرق لها ولا مستقبل واضح أمامها هي من أكثر الأمم التي تسحق تاريخها ويضمر بالتالي ماضيها ويصبح مستقبلها في مهب الريح.

من الأمور اللافتة في التربية الحديثة هوالاهتمام بتعليم الطلبة والطالبات عن ماضيهم وتاريخهم. والمحافظة على التراث سواء كان ذلك التراث خاصا بمجموعة ما أو فئة بعينها، فهوحفظ لتراث الوطن لأن تلك المجموعات والفئات باختلاف أنواعها هي التي تشكل الشعوب وبالتالي الأوطان والأمم. ومهما كانت تلك الشعوب والمجتمعات مختلفة إلا أن ذلك الاختلاف أو بالأحرى التنوع يصب في بوتقة الوحدة فيعطي لتلك الأوطان والأمم عمقها الحاضري والتاريخي.

واحدة من الامور التي حافظت على تاريخ الولايات المتحدة هي أنها تداركت خطأ العقلية القديمة التي كانت تسحق أوتغير تاريخ المجتمعات المختلفة التي تشكلت منها. فبعد أن دخل الأوروبيون الولايات المتحدة فإنهم حاولوا التخلص من السكان الأصليين وعاداتهم وتقاليدهم، وعملوا على تذويبهم في المجتمعات الغربية، لكنهم أدركوا قبل فوات الاوان خطأ منهجهم وتوجهاتهم. فجميع تلك المحاولات من تمييع عادات وتقاليد وهدم معالم إلى طمس لغات ولهجات تلك الشعوب تم اعادة النظر فيها، لانهم أدركوا من وجهة النظر التربوية (التي لابد ان تكون مصاحبة لجميع القررات الوطنية) أن أي هدف يوضع من أجل بناء الانسان لابد أن يكون مدعوما بتاريخه وتراثه. لهذا فإن في كل ولاية من الولايات المتحدة منهجا تاريخيا يختلف عن منهج الولاية الأخرى. ومن النقاط الجميل ذكرها أن تلك المناهج تتطرق إلى أبعد من الأطر العامة. فمثلا في ولاية يوتا المعروفة بأكثرية سكانها الذين يدينون بالدين المورمني، يدرس تاريخ تلك الديانة ونشأتها ورواد الولاية الأوائل.

أمام هذه المعلومات التي يكتسبها الواحد منا سواء بمعاشرته للآخرين أو بأسفاره أوبقراءاته فإنه يتساءل: ما هي الأسباب التي تدعوالبعض إلى تغيير مسميات مناطق وأماكن لها عمق تاريخي؟ ما هي المبررات التي تجعل الأسماء تتغير وتتبدل؟ هل أولئك القائمون على وضع تلك الأنظمة يفتقدون أولويات أوأساسيات فهم الفطرة الانسانية؟ ما هي الأمور التي تدعوهم الى تجاهل تاريخ وكيان مجتمع بأكمله؟

لقد قرأت مقال الكاتبة: طاهرة بنت عبدالخالق اللواتية المنشور في جريدة الوطن بتاريخ 25 أغسطس 2013م تحت عنوان: “أين تاريخ مطرح من نظام الترقيم الجديد” وأنا في زيارة إلى ولاية تكساس الاميركية. لقد أصابتني غصة وأنا أقرأ عن نظام الترقيم الجديد الذي (لدوافع نجهلها) حرف اسم معلم من معالم سلطنة عُمان الذي يخص شريحة كبيرة من المواطنين والذي يضم الكثير من مواقعهم التي تتصل بممارستهم الدينية من مسجِدَيْن وحسينيات والكثير من ذكرياتهم وماضيهم وتاريخهم العريقين. قرأت مقال الأخت طاهرة وأنا في مدينة لها موقع تاريخي عريق في ولاية تكساس وهي مدينة سان أنتونيو (San Antonio).

ومما ذكرته الأخت طاهرة اللواتية في مقالها: “لقد سلبت اللجنة مطرح التاريخ اسمها الحقيقي، وسميت حلة السد.. الغريب أن مطيرح تم الاحتفاظ لها باسمها الأصلي… والأشد غرابة أن تسمى مطرح التاريخية باسم “قرية السوق”؟؟ وكذلك تم تغيير مربع سور اللواتية إلى مربع “السور”…إن “سور اللواتية” اسم تاريخي لهذا السور عرفه الناس منذ القدم، فهو المكان الأصلي للواتية مطرح وبيوتهم وحيازاتهم، التي ما زالوا يملكونها ويعيشون فيها… كما ورد في مؤلف ابن رزيق “سيرة السادة البوسعيديين”… ففي عُمان كان الجميع يعيش في أسوار.. وهناك مئات الأسوار تدل عليها لافتات البلديات في أنحاء السلطنة، ولا تزال تحمل أسماء القبائل التي عاشت فيها… إن اللجنة المعنية في نظامها الجديد أبقت على مسمى “سور آل حديد” في السيب، وأبقت على مسمى “اليوسف” لحلة “اليوسف” وغيره كثير. فلماذا تسلب مربع سور اللواتية اسمه وتسميه باسم “السور” فقط؟ وهل مفردة اللواتية قبيحة وشاذة ليتم إلغاؤها وحذفها؟”.

يذكر الدكتور فيصل سيد طه حافظ في بحثة بعنوان “دولة بني سامة في الملتان” أن دولة بني سامة في الملتان (279 – 375? / 892 – 985م) لتمثل صورة واضحة لقمة التفاعل الحضاري بين عُمان وبلاد الهند في العصر الإسلامي. فدولة بني سامة تنسب الى قبيلة سامة بن لؤي، وهي من القبائل العُمانية المشهورة، والتي كان لها شأن كبير قبل الإسلام وبعده…. تعد قبيلة سامة بن لؤي من القبائل العُمانية التي أدت دورا تاريخيا بارزا في عُمان في العصر الإسلامي وامتد هذا الدور إلى بلاد الهند. وينسب بنوسامة إلى لؤي بن الحارث بن سامة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك…. ويطلق عليهم أحيانا اللواتية والنسبة إليهم اللواتي” ويذكر الباحث المكانة البارزة لبني سامة في عُمان بعد ظهور الإسلام وقد وصفهم الاصطخري بأنهم: “من كبراء عُمان”… واحفاد أبناء سامة في عُمان هم اللواتية.. ومن هنا تأتي جمالية اسم السور بماضيه العريق وحاضره الذي يحكي قصة عُمان الحب والخير والإخاء واللاطائفية والعطاء!.

قصة مدينة سان أنتونيو التابعة لولاية تكساس تختلف تماما عن قصة سور اللواتية. فقد استولى عليها الأوروبيون في القرن الخامس عشر ومن ثم تم ضمها الى الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر. في هذه المدينة التاريخية الجميلة معلم تاريخي لمبنى قديم اسمه (ألامو) وقد صنف ضمن أهم المعالم الأساسية التي ينبغي زيارتها. هذا المعلم التاريخي المسمى بألامو يذكر أنه قد يكون قد تم اشتقاق اسمه من نوع من الأشجار والتي يطلق عليها باللغة الأسبانية ألامو. ورغم أن الاسم أسباني إلا أن الدولة حافظت على اسمه وحافظت على كل محتوياته ويمكن معرفة كل شيء عن هذا المعلم عند زيارته.

سور اللواتيا الذي يعتبر معلما عن تاريخ بنى سامة بن لؤي له عمق حضاري. ففي مقال جميل نشر بتاريخ 17 فبراير 2012 في جريدة عُمان تحت عنوان “مطرح.. تاريخ وتنمية وسياحة” لأحمد بن عبدالله الحسني، يقول الكاتب: “سور اللواتية بمطرح، أو (مندوس مطرح) أحد الأمكنة القديمة، والذي اصبح يزهو بمعطيات النهضة، والسور كانت تفرضه قيود في الدخول والخروج منه، والتوقيت كان بساعة (الوستن West end) والتي تعتبر في ذلك الوقت أول ساعة يتخذها أهل عُمان لمعرفة التوقيت المحلي، والسور يبدو أنه ما زال يختزن ذكريات قديمة، أوحاجة الإنسان العُماني في ذلك الزمان، ألا وهي القش والذي يخلط مع الطين لإنشاء البيوت، وأيضا خشب (الكندل) والذي بمثابة أعمدة السقف، و(الصبارة الخضراء) كانت الاساس في تماسك سقوف البيوت، واصبحت كلها تحكي الزمان القديم لهذا السور، وقيل ان سور اللواتية بني قبل 400 سنة… وبعض المصادر الحديثة تؤكد انه كان مركزا لبعض الاتصالات التجارية بين عُمان والهند، اذ تذكر المصادر ان ملتان في اقليم السند كانت مركزاً مهماً للتجارة مع الأقسام الداخلية من الهند لأن فيها معبداً تقصده جماهير الحجاج الهنود من داخل البلاد وحكام ملتان من بنومنيه من ولد سامة بن لؤي بن غالب وكان للعُمانيين صلات تجارية مع هذه المنطقة، وكذلك كان للعُماني صلات تجارية في مدينة (المنصورة) وهي مدينة كبيرة تقع على نهر (مهران) بالسند وأهلها مسلمون من قريش من ولد هبار بن الأسود”.

فهل يحق لأحد بعد ذلك أن يلغي معلما من المعالم التاريخية لعُمان أولا ولأبناء اللواتية ثانيا من أجل حاجة في نفس يعقوب؟ إن وزارة الإسكان مطالبة ـ من أجل عُمان وتاريخها ومن أجل الأجيال التي لها امتداد لا يمكن أن يندثر ـ أن تعيد النظر!

جريدة الوطن